الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

146

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

معنا غدا يرتع ويلعب ( 1 ) . وإذا كنت تخشى عليه من سوء فنحن نواظب على حمايته وإنا له لحافظون . وبهذا الأسلوب خططوا لفصل أخيهم عن أبيه بمهارة ، ولعلهم قالوا هذا الكلام أمام يوسف ليطلب من أبيه إرساله معهم . وهذه الخطة تركت الأب - من جانب - أمام طريق مسدود ، فإذا لم يرسل يوسف مع إخوته فهو تأكيد على اتهامه إياهم ، وحرضت - من جانب آخر - يوسف على أن يطلب من أبيه الذهاب معهم ليتنزه كما يتنزه إخوته ، ويستفيد من هذه الفرصة لاستنشاق الهواء الطلق خارج المدينة . أجل ، هكذا تكون مؤامرات الذين ينتهزون الفرصة ، وغفلة الطرف الآخر ، فيستفيدوا من جميع الوسائل العاطفية والنفسية ، ولكن المؤمنين ينبغي ألا ينخدعوا بحكم الحديث المأثور " المؤمن كيس " أي فطن ذكي فلا يركنوا للمظهر المنمق حتى لو كان ذلك من أخيهم . ولكن يعقوب - دون أن يتهم إخوة يوسف بسوء القصد - أظهر تردده في إرسال يوسف لأمرين : الأول : أنه سيبتعد عنه فيحزن عليه ، والثاني : ربما يوجد خارج المدينة بعض الذئاب المفترسة فتأكله ، فاعتذر إليهم وقال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون . وهذه المسألة طبيعية ، حيث قد يبتعد إخوة يوسف عنه فيغفلون عن أمره ، فيأتي إليه الذئب فيأكله . وبديهي أن الإخوة لم يكن لهم جواب بالنسبة للأمر الأول الذي أشار إليه أبوهم يعقوب ، لأن الحزن والاغتمام على فراق يوسف لم يكن شيئا عاديا حتى

--> 1 - " يرتع " من مادة " رتع " على وزن " قطع " ومعناه في الأصل رعي الأغنام والأنعام بصورة عامة للنباتات وشبعها منها ، ولكن قد يطلق هذا اللفظ ( رتع ، يرتع ) ويراد به تنزه الإنسان وكثرة الأكل والشرب أيضا .